أحمد عز الدين – محجوب عمر كما عرفته

محجوب عمر كما عرفته
أحمد عز الدين   |  22-03-2012

قبل أكثر من عشرين عامًا، حين كان ينعقد اجتماع التحرير لجريدة “الشعب” المصرية، كان من أوائل الحضور وأكثرهم انتظامًا، شخص لا يتولى مسئولية تحريرية فى الصحيفة، لكنه كان يكتب مقالا فى الصفحة الأخيرة.. عرفت أنه يسارى، وأنه من رجال منظمة التحرير الفلسطينية، وهما أمران كانا كفيلين لأن يجعلانى انقبض من ناحيته.. لكن بساطته الشديدة وتواضعه، مع علمه وسعة اطلاعه ومتابعته للشأن المصرى والعربى والدولى، وبخاصة القضية الفلسطينية جعلنى ألتفت إليه وأسمع منه.

كان يجلس بيننا يحتسى الشاى وابتسامته لا تفارقه، ويتبادل الحديث مع الموجودين، يثنى على كتابة هذا، ويبدى ملحوظة على كتابة ذاك.

عرفت أن محجوب عمر لم يكن اسمه الحقيقى، وأنه ليس مسلمًا، بل هو قبطى من المنيا، اسمه الحقيقى رءوف نظمى عبد الملك، وأنه اتخذ اسم أحد أصدقائه بعد وفاته، مؤثرًا إنكار ذاته فى سبيل بقاء اسم صاحبه على قيد الحياة.

كما عرفت أن له مكانة عالية بين قيادات منظمة التحرير وبخاصة خليل الوزير، أبو جهاد.

كانت القضية الفلسطينية همه الأول، ظل متفرغًا لها، ولا يكتب إلا عنها تقريبًا، وظلت هكذا شاغله الأول حتى مات فى مستشفى “فلسطين” بالقاهرة.

انضم “رءوف” إلى الحزب الشيوعى المصرى، واعتقل فى سجن الواحات عام 1959، وبعد خروجه قرر أن يوجه نضاله ضد الاستعمار، فسافر إلى الجزائر مقاتلا وطبيبا مشاركًا فى ثورتها ضد الاحتلال الفرنسى.. وبعد أن نالت الجزائر الاستقلال توجه إلى الأردن ليشارك الفلسطينيين ثورتهم، حيث بدأت نواة المقاومة والعمليات الفدائية انطلاقًا من الأردن، حتى جاء أيلول الأسود، واضطرت المقاومة الفلسطينية للخروج إلى لبنان، فخرج “محجوب” معهم.

فى بيروت عمل محجوب عمر فى مركز الدراسات الفلسطينية الذى تعرض للقصف الصهيونى لكنه نجا من الموت الذى اختطف عددًا من زملائه.

بعد الخروج الثانى للفلسطينيين، لم يتوجه محجوب إلى تونس لكنه عاد إلى مصر، لينشغل أيضًا بالكتابة والبحث العلمى، وقد جمع حوله عددًا من الصحفيين والباحثين الشباب وتبناهم وأعطاهم من خبرته وقد أصبحوا اليوم كتابًا وصحفيين معروفين.

زرته فى مكتبه بشارع قصر العينى بالقاهرة، فوجدت مكتبًا متواضعًا للغاية، لكنه من هذا المكتب المتواضع كان يتابع أهم الإصدارات السياسية فى العالم ويترجمها إلى العربية ليرسلها لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.

وقد طلبت منه نسخًا من تلك الترجمات، وقلت له إنها بهدف أن يطلع عليها الإخوان المسلمون، فرحب بذلك، وأعطانى مجموعة من تلك الدراسات على عدد من الـ”فلوبى دسك”، وهو القرص الصلب الذى كان شائعًا فى ذلك الحين من تسعينيات القرن الماضى قبل اختراع “الفلاشه”، وقد قمت بتصوير بعض هذه الدراسات وقدمتها لأعضاء مكتب الإرشاد وعدد من المهتمين، وكنت أفكر فى مواصلة هذا المشروع لإمداد الحركة بخلاصات الفكر الغربى، لكن ظروف التضييق الأمنى حالت دون ذلك، وكنا قد دخلنا فى مرحلة المحاكمات العسكرية للإخوان التى بدأت عام 1995.

انقطع الاتصال بينى وبين الحكيم، كما كانوا ينادونه، ولم أعد أراه، وقبل أسابيع سألت أحد زملائنا فى صحيفة “الشعب” عنه فقال إنه ملازم للفراش على الدوام، فشعرت أنها الخاتمة.. وكان لافتًا أن تنعاه رئاسة السلطة والمنظمات الفلسطينية ولا تنعاه جهة رسمية فى مصر.

المصدر: http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=110568