أشرف راضى – مرثية للمناضل الزاهد محجوب عمر

مرثية للمناضل الزاهد محجوب عمر
أشرف راضى
المصريون : 19 – 03 – 2012

رحل المناضل الزاهد محجوب عمر، عن عالم كل ما فيه لم يترك له سوى الألم..

كنت طالباً فى الجامعة فى أوائل الثمانينيات عندما ترامى إلى سمعى اسم رءوف نظمى أو محجوب عمر.. كان زميل الدراسة والصديق يتحدث عن زعيم عظيم آمن بقضية نذر لها كل نفيس، وفى المقدمة زهرة شبابه وحياته التى حملها على كفه.. وارتسمت فى ذهنى ملامح الرجل قبل أن أراه.. فقد كان زميلى يتحدث عن زعيم تواضعه أعظم خصاله.

لم أكن أعرف أن القدر يرتب لقاء سيضعنى ولسنوات بالقرب من الدكتور محجوب عمر، ليكون لى معلماً ومرشداً أنهل من خبراته النضالية التى كانت بالنسبة لشاب يضع أقدامه على بدايات حياته المهنية كنزاً ثميناً ومعيناً لا ينضب.

ذهبت له بتساؤلات بحث، فاقترح على موضوعاً آخر وفتح لى كنز معرفته ومكتبته فى دراسة عن الصراع الطائفى فى إسرائيل، نشرت بمقدمة قيمة كتبها بنفسه فى عام 1988.

لم يكن مكتبه المتواضع فى دار الفتى العربى بحى جاردن سيتى يخلو من الزوار من أصدقاء وتلاميذ ومريدين وباحثين وطلاب معرفة من كل حدب وصوب.. كان مكتبه رغم ضيق مساحته يتسع للجميع، من عاملين فى الدار ومن الزوار من كل حدب وصوب من العالم العربى..

واستطاع فى كل مساحة أتيحت له أن يحقق حلمه الذى صاغه فى مقالة موسعة بعنوان “عرب بلا حدود”.. كان يحلم بزوال الحدود بين الشعوب العربية، وجعل من فلسطين وقضيتها التى رحل معها أينما رحلت، وسيلة لتحقيق هذا الحلم..

وبعد انتهاء البحث، انتقلت معه لمرحلة جديدة من العمل فى إصدارات مركز التخطيط الفلسطينى.. وفتح لى عالماً تعرفت من خلاله على مراكز التفكير الكبرى فى العالم، وساهم فى تفتح ذهنى لأفكار جديدة كانت تغير العالم.. ولم يكن الرجل يضن بإنتاجه وكتاباته على من حوله.

أذكر أنه أرسلنى ذات مرة للدكتور فؤاد مرسى كى أوصل له فى بيته بالزمالك مجموعة جديدة من الترجمات، واستقبلنى الرجل وما معى بحفاوة.. وسألنى هل هناك من يقرأ هذه الترجمات؟ أجبته أنا أقرأها على الأقل بحكم العمل، وفاجأنى قائلا: على العموم سترى قريباً ثمرة لهذا الجهد.. ولم تمض سوى أسابيع قليلة حتى صدر كتابه بعنوان “الرأسمالية تجدد نفسها” فى سلسلة عالم المعرفة الشهيرة.. ساعتها شعرت بخطورة وأهمية ما يفعله من هذا المكتب الصغير.

وشرح لى محجوب عمر كيف جاءته الفكرة من فدائى استشهد فى جنوب لبنان فى السبعينيات كان يجمع كل ما يمكن جمعه من أنواع السلاح لمحاربة العدو وتحرير الأرض.. وقال محجوب لما لا نتعامل مع ما يقدمه العالم من أفكار مثلما يتعامل هذا الفدائى مع السلاح..

كان يؤمن أن معركتنا مع العدو الصهيونى الغاصب لأرض فلسطين ليست معركة بالسلاح فقط، وإنما هى معركة بالكلمة والمعلومة والفكرة.. باختصار، كان يدرك ماذا تعنى كلمة معركة المصير، وازداد هذا المعنى وضوحاً فى ذهنى وأنا أقرأ كتابه “حوار فى ظل البنادق”.. وتعلمت كيف يمكن أن يكون الحوار مع العدو سلاحاً فى المعركة..

لم تأته هذه الفكرة من فراغ.. فقد كان يؤمن بأن معركتنا من أجل تحرير فلسطين هى، بالأساس، معركة من أجل تحرر الإنسان، ليس فقط الإنسان الفلسطينى، وإنما أيضًا الإنسان اليهودى الذى وقع فريسة للصهيونية كإنتاج للفكر الاستعمارى فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

أذكر أنه أعطانى مجموعة من التسجيلات الصوتية لمحاضرة ألقاها الراحل أمين هويدى، وزير الدفاع الأسبق، فى مركز التخطيط الفلسطينى فى بيروت فى أواخر السبعينيات، عن ظاهرة الحوار الدولى.. وتعلمت من محاضرة هويدى، وهو من العقول الإستراتيجية الفذة، ما لم أتعلمه طيلة سنوات دراستى الجامعية، فى العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، وتعلمت كيف يصوغ زعماء العالم تصريحاتهم؟ وكيف يكون التحليل الأمثل لها.

ونقل الراحل للمكتبة العربية بعضًا من أهم الكتب التى غيرت التفكير فى العالم فترجم كتاب زبجنيو بريجنسكى، مستشار الأمن القومى فى عهد الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر، كتاب “أمريكا بين عصرين”، الذى شرح فيه بريجنسكى إستراتيجية أمريكا، فى سبعينيات القرن الماضى لتغيير العالم وفى عصر التكنولوجيا والإلكترون.

وترجم كتاب المناضل اليسارى اليهودى لينى برينر بعنوان “الصهيونية فى زمن الديكتاتورية”، الذى فضح فيه الصفقات السرية بين الحركة اليمينية الصهيونية وبين النازية، وهو الكتاب الذى شنت عليه إسرائيل والمؤسسة اليهودية الأمريكية حرباً شرسة..

وترجم أيضًا كتاب جدع جلعادى اليهودى العراقى الذى تحرر من الصهيونية وانتقل إلى صفوف الفلسطينيين وصار سفيراً لمنظمة التحرير الفلسطينية فى لندن، بعنوان “إسرائيل نحو الانفجار الداخلى”، والذى قدم فيه رؤيته كيهودى عراقى للصراع ومآله.

رغم أن السنوات التى أمضيتها مع الحكيم- هكذا كان لقبه فى حركة فتح وبين تلاميذه الفلسطينيين واللبنانيين- لم تكن طويلة إلا أنها ذاخرة بالخبرات والمعرفة ووقائع لا تنتهى تشهد على تاريخ حافل فى خدمة القضية الفلسطينية.. لا يتسع المجال هنا لسردها ولا لسرد ما كان يحكيه عن سنوات نضاله عندما كان طالباً فى كلية الطب فى صفوف الحركة الشيوعية المصرية التى كانت فصيلاً رئيسيا فى حركة التحرر الوطنى المصرية، والذى كلفه سنوات فى معتقل الواحات وضربة على الرأس كانت سبباً لما عانى منه من مرض..

كانت هذه الواقعة سبباً دفعنى إلى كراهية الجلادين الذين يستبيحون الإنسان ويمتهنون كرامته، كما كانت دافعاً لنضاله القانونى الذى نال من خلاله حكماً قضائيا ملزماً أتاح للمعتقلين السياسيين أداء الامتحانات والدراسة حتى لا يضيع عليهم الاعتقال مستقبلهم، واستمر نضاله فى المحاكم ضد التعذيب والجلادين..

كثيرة هى القيم والمعانى، التى تعلمتها من هذا الرجل وأحسب أنها تركت لى رصيداً لا ينفد أبداً وزاداً تتزود منه أجيال قادمة.. علمنى معنى الحرية، وقدم مفاهيم الكفاح السلمى وخبراته المختلفة فى العالم وهى المفاهيم التى انتشرت قبل الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987..

كان يحمل قضية فلسطين أينما ذهب.. وخصص كل مقالاته فى الصحف المصرية للدعوة كى تستعيد مكانها الذى فقدته بفعل دعاية السبعينيات ضد الفلسطينيين، ونجح فى مسعاه بالرغم من أنه كان يتحرك فى بيئة كانت فى ذلك الوقت بأنها بيئة معادية، كان يحارب أساطير من قبيل أن مصر حاربت من أجل فلسطين.. وكان يرى أن مصر حاربت دفاعاً عن مصالحها بالأساس..
كان يؤمن بأن الكلمة كالرصاصة إذا انطلقت لا سبيل لردها أو احتواء ما قد تحدثه من ضرر أو إصابات، وأنه خير للإنسان أن يتحكم فيما يقول ويفكر قبل أن ينطق.. وكان عنده الكثير الذى يرى أن من الصالح العام يتطلب كتمانه.

كان زاهداً زهد المتصوفين يؤمن بأن الوجود خير مطلق.. والحق أننى عملت مع الرجل لسنوات، فى مكتبه لم أتعرف خلالها على ديانته إلا صدفة.. إنه طراز من جيل أزال حبهم للإنسان والوطن أى حواجز تعترض تواصلهم مع الآخرين وبمحبة فائضة..

هذه ليست كلمات فى رثاء الدكتور محجوب عمر وإنما تأكيد لحضوره الدائم وعرفان بالجميل وأملا قى استمرار مسيرة عطاء لا ينقطع أبداً.. فالشخصيات العظيمة كالأشجار الباسقة راسخة جذورها متشعبة فروعها ومورقة وتؤتى أكلها فى كل حين..

المصدر: http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=109898