ابراهيم ابوالنجا – ترجل الفارس محجوب

ترجل الفارس محجوب/ ابراهيم ابوالنجا
الكاتب: ابراهيم ابوالنجا
نشر الثلاثـاء 20/03/2012 الساعة 18:23

لا أبالغ إذا ما قلت أنني توقفت أمام أكثر من ثلاثين عنواناً لهذه المقالة ، وهذا شأن غيري ممن عرفوا هذا الثائر العظيم ، لما له من تاريخ حافل ومواقف وصفحات ، وأعمال سجلت موروثاً كاملاً متكاملاً .

أخيراً أسفر التشابك بين العناوين عن هذا العنوان .

أبدأ من حيث عرفته رحمه الله . كان ذلك في الجزائر بمكتب فلسطين عام 1964 ، وهي مرحلة ما قبل انطلاقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” .إنه الدكتور رؤوف عبد الملك “محجوب عمر” .

شكل وجوده في الجزائر ترجمة لقراره الإنساني بأن يضطلع بمهمة علاج أبناء الجزائر .

كان يتردد علينا ، ولم يفصح عن حالته . سمحت لنا زيارته أن نتوشح بالفضولية … سألته عما إذا كان يريد شيئاً آخر غير نشرة فلسطيننا التي كنا نعيد نسخها على أيدينا ، ونوزعها على المؤسسات الجزائرية .

كما مهدت لترسيخ العلاقة التي من خلالها أصبحت أطلعه على أننا كحركة “فتح” … لسنا حزباً ، أو منظمة سياسية ، بل حركة تحرر وطني نمارس الكفاح المسلح لاحقاً من أجل تحرير وطننا ، وعودة اللاجئين إلى وطنهم وديارهم .

استعرضنا المصاعب التي ستواجهنا ، وكان يذكرنا بما تعرض له كإنسان يساري وطني مصري اتهم بالشيوعية ، وألقي به في السجن ، والتقى بأشخاص فلسطينيين وجهت لهم التهمة نفسها .

جمع بين المهام التي نذر نفسه لها من علاج للمرضى في المستشفيات الجزائرية ، وبين إبداء رأيه في صياغة دستور الجزائر من قبل صديقه السيد / محمد حربي . وكان محسوباً على معسكر اليسار .

لم يرد أن يقحم نفسه في سياسة الجزائر وتوجهاتها ، وكان يقول : أكتفي بأن الجزائر أصبحت محررة ودولة مستقلة ذات سيادة .

بالتصاقه بنا كان يسأل نفسه : هل يمكن للفلسطينيين أن يمارسوا الكفاح المسلح في ظل الظروف الصعبة التي يمكن أن يتهم كل من يفكر في هذا المضمار بأنه عميل على الأقل ؟ وسيلاحق ، وكان محقاً في تخوفاته ، وليس هذا مجالاً للخوض في أشكال الملاحقة ، والأوصاف التي وقف الإعلام العربي ، والأحزاب الرسمية ، والأنظمة ، بإلصاقها بالفكرة وأصحابها .

صدر البيان الأول ليلة 1-1-1965 ، ووصلنا بطريقة أيقن راحلنا أن طريقة إيصاله لنا وأن العملية الأولى بتعقيداتها ، تترجم صدقية أقوالنا وهذا ما شكل له أول انفراجة ، وفرحة ، وقرر أن يبدأ مشواره .

التقى في الجزائر بالأخوة “أبوعمار ، أبو جهاد ، أبوصبري ، أبوعلي إياد ، أبو العبد العكلوك” رحمهم الله جميعاً وكذلك بعدد من الأخوة الذين مازالوا على قيد الحياة أمد الله في أعمارهم .

فجأة توقفت زياراته لنا ، ولم نعد نعرف عنه شيئاً ، إلاّ أن له صديقين يصغرانه سنّاً ، أحدهما علي ، والأخر كمال ، كانا قد أسرّا لي أنهم قد يتوجهون إلى كوبا .

حلت نكبة أو كما يحلو للآخرين تسميتها بنكسة حزيران عام 1967 .

التحقنا بجبال الجزائر ، وانضم إلينا الأخوة الأوائل من أقاليم أوروبا من قيادات تنظيم حركة فتح ، تمهيداً للانتقال إلى جبهات القتال ، ومما يؤسف له كانت المعركة انتهت بسرعة أذهلت الجميع .

أصبح العمل العسكري ضد الكيان الغاصب أيسر مما كان عليه قبل الحرب ، ولكن ذلك يحتاج إلى أرض ننطلق منها وإلى قواعد وإمكانيات ، وتسليح ، وخطط ، ولسنا بصدد الخوض في هذا المضمار فهو معروف لدى الجميع.

عاد المناضل الراحل من غيابه ، واستحوذت الحالة المستجدة على حديثنا وحينها قال : هذه فرصتكم وأنا مضطر إلى مغادرة الجزائر إلى عمان. لأن مسيرتي النضالية ستبدأ من هناك .

لفقيدنا الراحل محطات كثيرة ، وفي المجالات العديدة ، فإن شئتم فقولوا عنه طبيباً ، وإن شئتم فصفوه بالسياسي بامتياز ، وإن راق لكم فسموه ثائراً وطنياً ، فلسطينياً ، قومياً ، أمميّاً ، وإن أحببتم فلقبوه بالرجل الذي لا يعرف الناس طريقاً إليه .

وإن يحلو لكم فوشحوه بوشاح راسم السياسات والاستراتيجيات ، وواضع الخطط ، ولا تعالي إذا ما نعتناه بفيلسوف الثورة ، وأحد المنظرين الأفذاذ ، الذي قال نعم هناك التجربة الصينية ، والكوبية ، والفيتنامية ، ولكن ثورتكم تختلف عنها بخصوصية معقدة ، ولكنكم أمام اختبار صعب ، لأن التحديات وطبيعة العدو ، وخصوصيته تختلف .

وعدنا نتوقف ونتساءل : لماذا أعجب راحلنا بحركة التحرر الوطني الفلسطيني “فتح” ؟ وبثورتها ؟ وبمقاتليها ؟

إنه اطلع أولاً على أدبياتها : مبادئ ، وشعارات ، وعلى بيانها الأول ، وعلى فكر رجالها ، فوجد ضالته .

يستطيع أن يفرغ فيها مخزونه الثوري والنضالي والكفاحي .

فهي فلسطينية الوجه … عربية العمق … قومية الأهداف … عالمية الامتداد .

للرجل رحمه الله : سجل حافل في المواقع كافة … من عمان إلى جنوب الأردن ، فالأغوار الشمالية … ثم سوريا فالهامة ، فلبنان شمالاً ووسطاً وجنوباً .

عرفه المناضلون في القواعد موجهاً ومثقفاً سياسيّاً ، وعرفه المقاتلون ممتشقاً سلاحه ، عرفه السياسيون بخططه وبفكره السياسي ، وراسمو السياسات بمركز التخطيط والأبحاث ، عرفه المرضى طبيباً ناجحاً متميزاً .

إنه شخصية كهذه من الاجحاف أن تختزل في سطور أو مقالة أو رثاء أو برقية تعزية .

إن من حقه علينا كفلسطينيين أن نكرمه بالإضافة إلى تكريمه الأول : بإبراز تاريخه من خلال شريط ومسلسل طويل أو مؤلف كبير يحفل بإنجازاته .

يحضرني آخر لقاء به في القاهرة بمنزله في آذار 2009 حيث سمح لنا بعد تدخل أشقائنا المصريين ، أن نغادر القطاع للمشاركة في الحوار الشامل . كانت فرصة اغتنمتها لزيارته رحمه الله . وقد سكن المرض وشبه الشلل جسمه كاملاً ، لكنه كان ذا ذاكرة مازالت حاضرة .

لقد جرحه الانقسام الفلسطيني ، وزاد من همه ومرضه ، ولكنه تمنى لنا النجاح في الحوار والوصول إلى إنهاء حالة الانقسام ، لنستكمل المسيرة النضالية لتحقيق حقوقنا التي قضى من أجلها مئات الآلاف من الشهداء .

شعر رحمه الله أنني احتبست الدموع في مقلتي على حالته ، فهدأ من روعي قائلاً : أنا أشعر بالراحة لأنني لم أضيع ساعة من حياتي بدون عمل من أجل الآخرين ، ويسعدني أن أقول : أنني ختمت حياتي بمعرفتكم وبمشاركتي المتواضعة معكم ، وأتمنى لكم التوفيق ، وأرجو تبليغ تحياتي للجميع ، وأن يسامحوني إذا كنت قد أخطأت بحق أحد منهم .

إن هذا القول لا يصدر إلاّ عن رجل عظيم ، بالأمس وقع علينا نبأ وفاته وقوع الصاعقة .

رحمك الله يا شهيد فلسطين … شهيد الحرية … شهيد الفكر والفكرة . وعهداً لك ، على كل فلسطيني حرّ أن يبقى وفيّاً لك ولتاريخك العظيم.

المصدر: http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=469737