رسالة من محجوب عمر
جمال الغيطاني
القاهرة 04 ابريل 2012
الاثنين
عرفت الدكتور محجوب عمر »الاسم الحركي للمناضل رءوف نظمي« عام 1964 وجمعنا المعتقل عام 1966، كان معتقلا قاسيا في ظروفه، وارتبطنا بصلة حميمة استمرت حتي رحيله مؤخرا، بعد عام 1967 وجد ان الكفاح الحقيقي بين صفوف القوات الفلسطينية، التحق بالفدائيين في الاردن، واصبح قريبا من أبوعمار، وخلال زيارتي الي بيروت عام ثمانين زمن الحرب الاهلية، التقيتهم صدفة في احد عربات الأجرة بالنفر، وزرت من خلاله مواقع ومؤسسات منظمة التحرير، في عام 1997 قرر الرئيس السابق منح القيادة الفلسطينية دعما قدره عشرة ملايين دولار كتبت معلقا، وكان موقفي ضد الدعم بعد شيوع اخبار عديدة عن فساد السلطة، وبناء قصور لقادتها في غزة، وتقاعس اثرياء مشاهير من الفلسطينيين عن دعم ثورتهم، بعد النشر أرسل لي الدكتور محجوب عمر خطابا رقيقا قال فيه:
“وأود لو أبقيت هذه الكلمات دون نشر، فقد التزمت منذ سنين عديدة بتجنب النقاش الجانبي أو ما يتعلق بالاشخاص ولولا ثقتي ومحبتي لما كتبت اليك، شكرا والي لقاء.
26/8/1997
اما وقد اصبح الدكتور محجوب بين يدي ربه، فإنني اقدم علي نشر هذه الوثيقة والتي تلقي اضواء علي موقفه ورؤيته.
أخي العزيز / جمال
صباح الخير – تعرف انني من قرائك الكثيرين، ولكثرة ما يصدر الآن من صحف ومجلات اخترت القراءة الانتقائية، وكان طبيعيا ان يدفعني عشقي لفلسطين لقراءة ما يكتب عنها، فان تقاطعت هذه الرغبة مع محبتي لكتاب بعينهم وقع الفعل المحظور، فعل القراءة مع الاستفادة الذاتية.
امس قرأت لك جريدة »الاسبوع « تحت عنوان »الملايين العشرة « ما جعلني أخرج علي التزام التزمت به بأن لا اخوض اي نقاش جانبي في هذه القضية منطلقا من ان كل من يكتب عنها يحبها حتي وان كان منتقدا لبعض ما يجري علي ساحتها أو لبعض اشخاصها او حتي لكل ما فيها.
هذه المرة ولذكري ايام عشناها، واتمني ان تدوم، لم استطع ان امنع نفسي من الكتابة لك، وبداية ارجو ان تلاحظ ان مقالك قد نشر علي الصفحة نفسها التي نشرت مقالا آخر في نفس الموضوع للاستاذ الدكتور يحيي الجمل وستلاحظ ان تعليقه اقترب من تعليقك في بعض جوانبه وقد تجنب المس بمشاعر اهل القضية وكان رفيقا باشقائه العرب.
ملاحظاتي يا صديقي العزيز أنك قد علقت علي واقعة الملايين العشرة بشكل كاد ان يفسد رونقها الجميل، فقد هاجمت الاثرياء العرب أو بالدقة الدول الثرية في المنطقة كما هاجمت الاثرياء الفلسطينيين والقيادات الفلسطينية نفسها ونالت كلماتك من جماعات واشخاص يوجب العدل واحقاق الحق ان نسمعهم قبل ان ندينهم، واري من وجابي البدء اولا بنفي الكثير مما قيل ويقال عن موقف الدول والانظمة العربية من قضية فلسطين، وبخاصة اثرياؤها ولا ينكر الفضل الا جاحد فقد قدمت هذه الدول وتقدم لقضية فلسطين والشعب الفلسطيني الدعم الكثير الي الدرجة التي جعلت بعض معارضي هذه الدول تفسر تقديماتها بأنها شكل من اشكال الافساد المتعمد للافراد والمؤسسات والهيئات الفلسطينية، وهو افساد لا يقتصر من وجهة نظر هؤلاء علي الافساد المادي وانما ايضا علي الافساد السياسي والبعض يري في هذه التقديمات بأنها من قبيل »شراء« السلامة والأمن طالما ان الفلسطينيين هم ممارسو العنف او الارهاب كما يقال، وطالما انهم يملكون الوصول الي مصادر معلومات كثيرة في العالم وكذلك شراء لسكوتهم. في كل الاحوال هم يقدمون الدعم المادي والسياسي وفي كل الاحوال تحتاج فلسطين لهذا الدعم المادي ولذلك الدعم السياسي وفي اعتقادي ان من واجبنا ان لم نستطع النطق بكلمة شكر فإن علينا ان نمتنع عن الشتم والاهانة وانكار الحقائق.
ولعلك يا عزيزي جمال تقول الآن بأن عرفات هو الذي عتب علي الدول العربية تجميد الاموال الفلسطينية وهو الذي اشار الي ان بعضها يجمد ما يزيد عن الف مليون دولار مستحقة للفلسطينيين وهو يقول ذلك وهو صادق ولعلك تستنتج هوية الدول التي تجمد هذه الاموال وتفرج عن بعضها احيانا بمقدار ومساومة، وفي اوراق الجامعة العربية مذكرات فلسطينية عديدة للمطالبة بها والافراج عنها، ومع ذلك فان من واجبنا نحن الذين يمكننا مخاطبة بسطاء العرب ان نهديء هذه المشاعر وان نسد كل ثغرة ونقيم كل شرخ في جدار التوافق العربي الشعبي العام.
كما ان ضميري لا يسمح لي ان اقرأ ما كتبته انت عن الفلسطينيين المشهورين في العالم ومنهم من يمتلك بنوكا ومؤسسات مالية ضخمة.. وتقول اننا لم نسمع ولم نقرأ عن اي تبرع او منحة من مؤسسات شومان المالية او غيرها للفلسطينيين المحاصرين، وهو قول يجانبه الصواب ولعل مؤسسات شومان واصحابها ليسوا في حاجة لمن يؤكد دورهم وتقديماتهم لشعبهم بل للامة العربية كلها. وربما كانوا يتجنبون المن.
أما الاسماء التي ذكرتها والمتهمة بالفساد، وذكرك للصور التي بينها التليفزيون العالمي للاثاث والسيارات والمكاتب والغرف الوثيرة والقصور، فلست في حاجة لان اذكرك بأن الاشخاص الذين تحدثت عنهم وسائل الاعلام ليسوا هم الذين ذكرهم التقرير الفلسطيني المشهور عن اساءة استخدام المال العام في السلطة الوطنية الفلسطينية، كما ان هذه الادعاءات وردت في مقال الصحفي ديفيد هيرست في جريدة الجارديان ولا تستند الي اساس. وحتي لو كان ابومازن أو نبيل شعث وأم جهاد يعيشون في قصور او ان أبو عمار نفسه يعيش في قصر فإن ذلك لا يبرر »المن« علي احد وبخاصة علي الشعب الفلسطيني بما يقدمه، علما بأن أبوعمار يقيم فعلا في قصر عندما يحضر ضيفا علي القاهرة وهو قصر بسيط جدا من الداخل اذا لم تكن قد رأيته، وتملكه رئاسة الجمهورية المصرية.
عزيزي جمال لست انت الذي أناشده بالتمعن طويلا في معني الآية الكريمة »ياأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذي« واصارحك انني بقدر ما سعدت وفرحت وافتخرت بقرار الحكومة المصرية وتعليمات الرئيس مبارك الخاصة بتحويل مبلغ الملايين العشرة فقد وضعت يدي علي قلبي فورا من ان يبرر ذلك مواصلة حملات الهجوم علي الشعب الفلسطيني وعلي قياداته سواء كانوا داخل فلسطين او خارج فلسطين ولدوافع سياسية في الاساس.
ان ائتلاف العرب أمانة في اعناقنا وكثير مما يمكن ان يقال سواء في السياسة أو في الرياضة أو في شارع جامعة الدول العربية يضر بالقليل الذي يتراكم يوميا في اطار وحدة العرب وتضامنهم، وعندما يختار كاتب مثلك ان يقدم للادب العربي روايات عربية عروبية شكلا ومضمونا فان غضبا كالذي ابديته في تعليقك الاخير هذا قد يجرح مشاعر بعض محبيك وقد يبرر للكثيرين تقاعسهم. ان ملايين الدولارات مطلوبة وهذه كما رأيت تصدر بقرار من السلطات اما القروش والدراهم من بسطاء الناس فهي اهم واكثر دواما ولكنها تحتاج الي الحفاظ علي مشاعر المحبة والتراحم.
عزيزي:
أرجو الاحتفاظ بهذه الرسالة دون نشر فلست اريد اثارة أي جدل حول هذا الامر وأود لو بقي بين الاصدقاء والمحبين.
مع تحياتي محجوب عمر 26/8/1997
من ديوان الشعر العربي
قال ابن الرومي :
دهــــــر
دهرُ علا قدر الوضيع به
وهوي الرفيع يحطه شرفُه
كالبحر يرسبُ فيه لؤلؤهُ
سفلا ويعلو فوقه جيفُه
المصدر: http://www.misrelmahrosa.gov.eg/NewsD.aspx?id=10430