محجوب عمر .. جيفارا الفلسطيني المصري
سمير كرم
الأهالي : 21 – 03 – 2012
ارفض أن اتصور أن الموت قد طالك واقتطفك من شجرة مصر وذهب بك بعيدا .ذلك انني لم اعتقد للحظة واحدة منذ ان عرفتك للمرة الاولي في اوائل عام 1974 انك مثل الاخرين ومثلي ستغادر هذه الحياة وترحل الي عالم آخر .
ارفض ان اكون في وضع من ينعاك وانا الذي تصورت دائما انك مكلف بان تنعي الجميع الاصدقاء والرفاق والغرباء الذين قربتهم الثورة المقاومة او المقاومة الثورية اليك.
لكن من اكون حتي ارفض واقبل وقد عرفتك نموذجا انسانيا رائعا لرفض الحياة وقبول الثورة والمقاومة .لقد تركت في مصر حياة كانت تعد بكل الامكانات الغنية لطبيب نابغ يملك من المودة ما يكفي لتغطية حياة الاف المرضي علي مر السنين . ذهبت باتجاه فلسطين مدركا ان هذا واجب كل من يحترم الثورة الي حد التقديس .مقسما علي ان تبقي وفيا للمقاومة الفلسطينية وكان وفاؤك لفقراء مصر الي حد التضحية بحريتك في معتقل الواحات . لقد آمنت بالعدل والحرية واكدت سلوكيا انك انما دخلت من باب الوجود الانساني لتعطي اروع واغلي سنوات عمرك لكفاح المصري من اجل العدالة الاجتماعة والمساواة وتبين لك ان الجدوي تتحقق من خلال مواصلة هذا المطلب نفسه عبر المقاومة الفلسطينية . كل ذلك وما عداه يعرفه كل الذين عرفوك أو حتي اقتربوا منك .
لكن الذي لم يعرفه الا القليلين من اصدقائك ورفاقك هو انك جمعت في انتمائك الي الثورة الفلسطينية بين زهد قريب من زهد المناضل الثوري الفريد غاندي وثورية المناضل المحارب الثوري جيفارا . سبقك غاندي في الحياة وفي النضال بسنوات طويلة ولكنك لحقت باسلوب حياة جيفارا بعدة بشهور قليلة . من لا يعرفك عن قرب لم يعرف انك عشت حياة الزاهد بكل بساطتها وبكل قسوة تقشفها لكنك تقبلت ما اخترت . وفي عز زهدك اذا جاز ان يكون في الزهد عز فانك لم تفقد ابتسامتك الرائقة الراقية .وفي ذروة بعدك الاختياري الموجع عن مصر ظللت محتفظا بابتسامة التفاؤل حتي في اقسي لحظات الانكسار ، وقد كانت كثيرة ، في زمن احتضانك للثورة الفلسطينية ومقاومتها للظلم الداعي الاكبر للاكتئاب .
غيرك لم يكن بين العرب -مصريين وغيرهم – ممن الحقوا انفسهم بطوابير المقاومة لم يكن هناك زاهد مثلك ولم يكن هناك محارب بغير كلاشن مثلك . لقد كنت فريدا في زهدك كما في نضالك .لم تتجاوز ابدا حدود الانسانية الرفاقية نحو منصب او مركز .ففي الثورات والمقاومات هناك ايضا مراكز ومناصب ولكنك اخترت مركز الزاهد ومنصب المناضل. ولم اعرف غيرك اختار هذا الطريق ونال احترام ومحبة وعلي الاقل مودة الجميع . لا اذكرك ابدا غاضبا او يائسا علي الرغم من حلكة الظروف من حولك . علي الرغم من التفجيرات الاجرامية والغارات الصاعقة التي استهدفتك عندما استهدفت مكاتب المقاومة الفلسطينية قريبا من قياداتها ، احتفظت بابتسامتك الطيبة واحتفظت بصمودك مؤمنا بان هذا هو طريق من اختار الثورة .
انتقلت مرة اخري الي مصر منذ سنوات طويلة ولكنك كنت علي موعد لحضور ثورة 25 يناير 2011 . ولو مكنتك ظروفك الصحية لكنت واحدا من جماهيرها القائدة في ميدان التحرير. ولكنك عرفت ان الطريق الصعب الذي اخترته لم ينته الي نهاية عبثية . عرفت بحسك وتجربتك النضالية ان الثورة بدأت وعازمة علي ان تنتصر .فانت – مهما ابتعد زمنيا تاريخك النضالي – واحد من ملهمي هذه الثورة مهما بدا لنا الامر غير ذلك . كل من يستلهم غاندي يتذكرك وكل من تثير اعجابه هجرة جيفارا للمنصب الي جوار كاسترو من أجل القتال في صفوف فقراء بوليفيا يعجب بك .
وداعا يا اطيب الثوار وأهداهم.
وداعا ايها المناضل النبيل. لقد شغلت ارفع المناصب في وجدان كل ثوري وفي وجدان كل انسان عادي .
المصدر: http://www.al-ahaly.com/index.php?view=article&tmpl=component&layout=default&id=8811