منير عامر – الخروج من نفق الزهق

الخروج من نفق الزهق
منير عامر
06/06/2012

بالأمس كانت الذكري الخامسة والأربعون لهزيمة يونيو ‏1967,‏ والذين عاشوا تفاصيل تلك الأيام بعمق‏,‏ عانوا من لحظات التحليق العالي بحلم هزيمة إسرائيل الفورية‏,‏ وأفاقوا علي طعم المرارة الحاد بعد إعلان الهزيمة في مساء التاسع من يونيو عند سماع بيان تنحي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر‏.‏

أتذكر هذا اليوم بتفاصيله, وكنت أسكن في شارع ابن منظور الموازي لشارع الطيران الذي كان يسكن فيه جمال عبد الناصر, وكنت من أوائل الخارجين إلي شارع الخليفة المأمون, وهو الشارع الرئيسي الذي يقود إلي بيت ناصر. ورأيت جموع بدايات خروج المصريين من البيوت إلي الشارع, وكأن الجدران ستطبق علي صدورهم لو ظلوا داخل بيوتهم. ولم تمض سوي دقائق أقل من الثلاثين حتي كان الوجود في المكان هو اختناق بالزحام. لا أنسي في الدقائق الأولي مشهد سيدة نزلت من شقتها بملابس البيت صارخة بالرفض لتنحي عبد الناصر تروح فين إلازم تكمل معانا. دقائق بسيطة ورأيت د. محجوب عمر الذي كان قد خرج من المعتقل قبل أسابيع وهو يسأل عن مكان يمكن تحويله إلي مستشفي ميداني لأن الزحام لابد أن يخلق حالات هلع تستدعي العلاج.وما هي إلا دقائق أخري حتي شاهدت إسماعيل عبد الحكم الذي كان يعمل بتوزيع الأهرام ومنتدبا لإدارة معهد الدراسات الاشتراكية الواقع أمام حديقة المريلاند, وسمعته يقترح علي محجوب عمر أن يحولا مبني معهد الدراسات الاشتراكية إلي مستشفي ميداني لعلاج حالات الإغماء أو الهلع. ولا أدري كيف تم تجهيز كل ذلك في دقائق, لأنتبه بعدها إلي صوت الصديق محمد زغلول كامل وهو واحد من الضباط الأحرار وكان يعمل بمكتب الرئيس, الذي قال لي هيا نتأكد من حقيقة التنحي, وكان الدخول إلي بيت الرئيس عبد الناصر مستحيلا من فرط الزحام, فعدنا إلي منزلي ليتصل هو بالسيد سامي شرف مدير مكتب الرئيس عبد الناصر, الذي أكد أن التنحي حقيقة واقعة.

وكان الزحام في شارع الخليفة المأمون صباح العاشر من يونيو 1967 يفوق أي خيال. ولكن الحركة سيرا علي الأقدام كانت ممكنة بصعوبة وسط الزحام, ووصلت إلي مبني المعهد الاشتراكي, لأجد د. محجوب عمر قد واصل الليل هو وإسماعيل عبد الحكم وآخرون في ممارسة إنقاذ البشر من الإغماء ومن نوبات الهلع.

ثم سقط الزهق تماما ظهر السادس من أكتوبر 1973 عندما ارتفعت الرايات المصرية علي الضفة الأخري من القناة, ولضراوة المعارك كنا نتابع خطوات المقاتلين وهو يدحرون أحدث أسلحة الولايات المتحدة, وكان لصمود السويس شجن هائل من الثقة في النصر.

سألت الكثير من أطباء النفس عن جدوي الزهق ووظيفته في النفس البشرية, وتلقيت إجابة واحدة من صديقي د. محمد شعلان الزهق هو إحدي وسائل الدفاع عن النفس إن ظل الإنسان أسير موقف واحد وحبيس مشاعر العجز عن الخروج من هذا الموقف.

وأري بعيون المنتبه تماما أن شرارة بداية ثورة الخامس والعشرين من يناير جاءت من صرخة ضد زهق استنزاف قدرات المصريين بزواج السلطة برأس المال المتوحش, فخرجت الجموع لترفض التحجيم والتجميد اللذين قام بهما عصر مبارك ضد عموم المصريين لتعيش مصر حبيسة الترهل.

هو الآن داخل محبسه, وعلينا نحن أن نقاوم البقاء في دائرة الخلافات, فليست هناك هدية لخصوم مصر أكبر من أن نظل أسري في نفق الزهق, فهل نحن قادرون علي ذلك؟ تجربة هزيمة يونيو 1967 ثم ارتفاع رايات الانتصار في أكتوبر 1973 يمكن أن تكون البوصلة الهادية لنا في أيامنا التي نحياها الآن.

المصدر: http://www.ahram.org.eg/The%20Writers/News/153514.aspx