ميشال نوفل – محجوب عمر عرب بلا حدود

محجوب عمر عرب بلا حدود
ميشال نوفل
المستقبل – السبت 31 آذار 2012 – العدد 4300 – شؤون عربية و دولية – صفحة 15

لقد اخترت ان تكون مقالتي الأخيرة في “المستقبل” عن امر حدث لي في الآونة الأخيرة وترك أثرا عميقا.. المقصود هو الحديث عن المناضل الكبير محجوب عمر (رؤوف نظمي عبدالملك). ليس لأنه يمثل عبقرية عربية نادرة فحسب، بل لأن وداعه في المحطة الأخيرة له في القاهرة كان مناسبة استثنائية ايقظت “الذاكرة النائمة” على مضض، واعادت الأحبة والأصدقاء والمريدين الى زمن الحب الأول: فلسطين، ما ولّد إجماعا لدى جميع الذين حضروا من كل أنحاء الوطن العربي، على إنشاء مؤسسة ثقافية تخلّد ذكرى “الحكيم” وتحفظ أعماله مستعيدة ربما عنوان مقالة شهيرة له هي “عرب بلا حدود”.

يرحل محجوب عمر في هذا الزمن العربي المتحول وتبقى ابتسامته المشرقة وتفاؤله الراسخ رسوخ الجبال. وداع “الفدائي الأخير” كان مثابة تحية لجيل “المقاومة البطولية” تتجدد مآثره اليوم في كل المجتمعات العربية وتربك إسرائيل.

ألم يكن صراعه الأخير مع المرض “اشتباكا” ضاريا لا هوادة فيه مع الإحباط المهدد بالانحطاط والإندثار؟ لقد ظل حتى الرمق الأخير رمزا للتحدي والتمرد، وهو الذي كرس مواهبه بصفته طبيبا شعبيا وناشطا سياسيا ومحللا استراتيجيا ومفكرا فذا وأديبا خلاقا، من أجل تحرير فلسطين وخدمة قضايا العرب، مقدما أغلى ما يملك بلا حساب: زهده ومعرفته ومحبته وشجاعته.

في كل الجبهات التي ذهب اليها ولم ينتظر ان تأتي اليه أخبارها، سواء في معركة قناة السويس او معارك الجزائر وفلسطين والأردن ولبنان، التزم محجوب “مبدأ جمهر” وهو الألتحام بالناس الطيبين واستلهام الحس الشعبي في تقدير الموقف، باعتبار ان قضية الشعب هي العامل الأساس في التغيير والتحرير والوحدة والتقدم.

كان “الحكيم” يعمل بعكس التيار السائد في بحثه الدؤوب عن الحقيقة. كان عاصيا على القوالب الجاهزة والأفكار المسبقة والعنتريات الكلامية. يسخر من “التشبيح الثقافي” وحب الظهور، وهو “المحجوب” عن الأنظار يعمل بصمت وتواضع وتفاني قل نظيره في دنيا المثقفين العرب، من دون ان تحدثه نفسه بالسعي الى منصب او مكسب او جاه. يحفر عميقا في خريطة الوقائع والمعطيات ويقلّب الأفكار والنظريات بأسلوب نقدي وعقل مستنير ومنفتح.

في مكتبه في مركز التخطيط الفلسطيني اجتمعت أجيال من الشباب العرب، ومنهم من يتولى اليوم مناصب حكومية، او يدرس في الجامعات العربية والأجنبية، وتدربت على التحليل السياسي المستند الى الوقائع والمعطيات الموضوعية، والابتعاد عن النزعة الأيديولوجية في المقاربة، وابجديات الاستراتيجيا والجيوبوليتيك.

كان معلما فذا من دون ادعاء او تكلف، يجمع بين المعرفة الموسوعية والبعد الانساني، بعيدا عن الكسل الفكري والنخبوية و”لغة الخشب”. كان ينأى بنفسه عن “الأستذة” الفارغة والقاء المواعظ مفضلا الاحتكام الى لغة الحياة الدينامية، ولذلك كانت “مدرسته” فريدة تجمع بين العقل والروح والقلب، يتخلل “حصصها” شيء من الفرح والشاعرية تبثه قطعة موسيقية أو قصيدة، وكل ذلك وسط مناخ فكري جذّاب.

كان “الحكيم” في كل مرة تحدثت إليه في الآونة الأخيرة يقول ان “مصر حلوة دلوقت” في إشارة إلى حيويتها الثورية. وهو أصر رغم اشتداد وطأة المرض عليه على الذهاب الى “ميدان التحرير” وسط القاهرة، ليرى بأم عينه نهضة مصر الجديدة. كما كان على تواصل فكري مع كثرة من الناشطين الشباب وممثلي التيارات الإجتماعية والسياسية الجديدة الذين كانوا يرددون على مسمعه “نحن كما اردت يا دكتور نحصد الآن ما زرعته وابناء جيلك”. ربما كانت نعمة الله عليه قبل الرحيل، ان يُسعد بمشهد مصر التي اختزن روحها وعبقريتها الوطنية وهي تخرج من سبات طويل.

المصدر: http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=515262